.. رغم مضى ما يقرب من أسبوعين على «ملحمة ميناء دمياط» فإن الكثير من الدروس المستفادة لم تكشف عن نفسها بعد.
أتوقف هنا أمام عنصرى الاحترافية والجاهزية فإن الدروس المستفادة من هذين العنصرين لا يتوقف مداها أو تأثيرها عند حد ميناء دمياط ورغم عظمة ما قدمه أبناء ميناء دمياط من ملاحم وبطولات وإنما يجب أن تنصرف دلالات هذه الدروس إلى الوطن بأكمله.. بكل مؤسساته ووزاراته ومحافظاته ومدنه وقراه وكفوره ونجوعه.. وفى سائر مرافق المجتمع المصرى بكل مكوناته وفئاته.
لقد ضرب أبناء ميناء دمياط المثل والنموذج فقد جاءت استجابتهم للحادث سريعة وفى وقت قياسي.. وفى أقل من 4 دقائق من البلاغ كانت فرق الميناء كل فى اختصاصه يعزفون أعظم سيمفونية فى عمل جماعى أنقذ مصر والميناء ودمياط بكاملها من كارثة لا يعلم مداها إلا الله.
وفى وقت واحد.. انطلقت فرق الإنقاذ كل منها تعرف دورها وواجبها بالضبط.. فإن محاكاة الأزمات والتدريب المستمر سهلت إلى حد كبير التعامل السريع جدا مع «الأزمة» وحققت رقما قياسيا عالميا فى زمن إطفاء حرائق الغاز.. وعكست «كفاءة عالية للرجال» ودقة فى «تقدير الموقف» والسرعة فى اتخاذ القرار المناسب وهذا ما نحتاجه فى كل المواقع والمؤسسات والمحافظات حتى أصغر وحدة سكانية.
فى ملحمة دمياط تحركت فى وقت واحد 8 قاطرات.. 4 منها سحبت السفينة المشتعلة المحملة بـ60 ألف متر مكعب غاز.. خارج نطاق الميناء بالكامل.. ولم يخش الموت أحد أبطال مصر فقفز بسرعة يقود السفينة المشتعلة رغم احتمال انفجارها فإن مداها التدميرى «حال حدوثه لا قدر الله» يصل إلى دائرة قطرها 15 كيلو مترا فى كل الاتجاهات.
فيما انطلقت 4 قاطرات أخرى تسحب السفينة الأخرى لحوالى 10 كيلو مترات.. بينما تقوم فرق أخرى بإطفاء النيران باستخدام «مدافع المياه» لمدة 12 ساعة متصلة وتقوم الأخرى «بتبريد» السفينة الأخرى منعاً لاشتعالها.
إن هذا التكامل بروح «الفريق» بين مجموعات العمل المختلفة واحد من أهم الدروس التى يجب أن نتوقف للاستفادة منها.. فإن ملحمة الأداء المتميز أشعلت حماسة المصريين جميعهم باختلاف مواقعهم فكان إجماع كل المصريين على حتمية تخليد هذه الملحمة بأبطالها وتكريمهم حال حياتهم نموذجا ونبراساً.. لذلك ليس غريباً أن يصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى تكليفاً رئاسياً لوزير النقل كى ينتقل إليهم ويكرمهم فى دارهم ومينائهم.. وأن يشكرهم رئيس الوزراء.. وأن يصدر المركز الإعلامى لمجلس الوزراء فيديوهات لتكريمهم.
إن ما حدث فى ميناء دمياط يؤكد وصول هذا الميناء بكل مكوناته وعناصره إلى مستوى متقدم جداً فى «فن إدارة الأزمات» ويعكس تدريبات رفيعة للعاملين به فى مجال التدريب والمحاكاة ويقدم الدرس والعبرة لأجهزة ومحافظات «تغرق فى شبر ميه» عندما تفاجئها بعض الأمطار.. وسوف نتحدث عن ذلك فى جزء من هذا المقال.
إننا فى ميناء دمياط أمام رجال قدموا بكل الصدق أرواحهم فداءً لهذا الوطن امتدادا لعظماء مصريين بعضهم رحل عن دنيانا وآخرون لا يزالون ينتظرون.. هذا القبطان الذى يجب أن نعرف اسمه وصورته وأسرته وجيرانه الذى صعد على متن السفينة المحترقة وأخرجها إلى منطقة «المخطاف» إنهم رجال لا يهابون الموت.. قدموا نموذجا استثنائيا بحسهم الوطنى وخبراتهم دون انتظار روتين أو إجراءات وقودهم فيها الشجاعة والفداء والشعور بالانتماء لهذا الوطن بكل المقاييس فقد نجح المصريون فى إجهاض مخطط أهل الشر الذين استهدفوا ميناء دمياط.. لم يكن هدفهم فقط إحداث حريق ولكن تعطيل حركة ميناء دمياط بالكامل وشل قدراته وإلحاق خسائر اقتصادية مدمرة بالدولة المصرية لكن شجاعة المصريين وجاهزية رجالها أفشلت المخطط ونجح المصريون فى حماية المنشآت الحيوية ولم يتعطل العمل بالميناء فإن الله قد حبا مصر رجالاً هم خير خلق الله على كوكب الأرض.. شجاعة.. فدائية.. تدريب.. قدرات.. كفاءة.. ولا يهابون الموت.
.. إننا فى أشد الحاجة لاستلهام الدرس والعبر من «ملحمة ميناء دمياط».. ومن أهمها فى رأيى «الجاهزية» والاحترافية وحسن إدارة الأزمة فإن الكثير والكثير جدا من مظاهر حياتنا فى مسيس الحاجة كهذا الأمر.
إننا ونحن مقبلون على عام دراسى وجامعى جديد فإن الوقت لايزال أمامنا للاطمئنان على جاهزية مدارسنا لأى «أزمة أو حريق مثلا» يمكننا البدء فورا فى إلزام كل مدرسة بانتداب عدد من العاملين بها للتدريب على إطفاء الحرائق المختلفة.. والاطمئنان إلى جاهزية حنفيات الحريق بكل مدرسة أو كلية وخراطيم المياه بها لحالة الحريق «لا قدر الله».
نحتاج إلى فرق للصيانة من الشركات القابضة لمياه الشرب بالمحافظات وكتائب الدفاع المدنى لمراجعة صلاحية حنفيات الحريق فى شوارع وميادين العواصم والمدن الكبرى والصغرى وحتى القرى وتوافر مستلزمات الإطفاء.
وفى المحليات تتمثل الجاهزية فى إلزام كافة الشركات والمنشآت الالتزام بتعليمات ومواصفات الدفاع المدنى فإن كثيرا من الحرائق سبببها عدم الالتزام بهذه المواصفات.
وفى المحليات أيضا.. يتحتم تنقية المناطق السكنية من المخازن خاصة تلك التى تحتوى على مواد سريعة الاشتعال أو قابلة للاشتعال لحماية الأرواح والممتلكات.
أيضا ورغم كل التصريحات الوردية والأرقام المتفائلة فإن عدم جاهزية بعض العاملين بالمراكز التكنولوجية بالمحافظات والمراكز والقرى لايزالون يمثلون عقبة كأداء أمام إتمام تصالح كثير من المواطنين ولا أقول الألوف أو مئات الألوف فإن حصراً محايداً سوف يكشف الحقيقة بكل جلاء.
إننا نحتاج إلى إتمام الجاهزية والاحترافية فى كل مرافق الدولة المصرية.. وعلى كل مرفق أن يستلهم العبرة والدرس من «ملحمة دمياط» فإن فيها الكثير من الدروس لم تكشف عن نفسها بعد.